مشاركات عامة

الإنسان الممتع | بقلم الشيخ بدر الثوعي

 


كتبت المعالجة النفسيّة "إيمي موران" مقالة بعنوان "١٠ علامات للأشخاص الممتعين"، سردت فيه بعض الأعراض لسلوك نفسي بات يعرف مؤخرًا باسم  "people pleaser syndrome"   -متلازمة الأشخاص الممتعين- .

نستطيع تلخيص الأوراق المنشورة حول هذه المتلازمة أن المشكلة ليست في كون الإنسان نبيلًًا؛ بل في كونه يبالغ في العطاء، حتى يهلك نفسه بمحاولة إرضاء الآخرين، وجعلهم سعداء، ولو على حساب صحته النفسية التي ستتأثر بالضغوط .

الحديث عن هذه المتلازمة لطيف؛ لأن قوامه أشتات ملحوظات نراها جميعًا بشكل يومي في الطبيعة البشريّة.

ووفقًا لمقالة "إيمي"؛ فمن علامات إصابتك: "صعوبة النطق بـ«لا»، وإظهار الموافقة لكل جليس، والشعور بالمسؤولية عن أمزجة الآخرين، وكثرة الاعتذار، والشعور بالهم الكبير إذا غضب شخص منك" .

المفارقة التي لا تذكرها المقالات؛ أن صاحب هذه المتلازمة يحمل النقيضين بين جنبيه، فهو قد يجامل ويتحمل البؤس عن الآخرين لما يظنه قوة كامنة فيه، بينما يرى الآخرون أن دافعه ضعف وخوف من الرفض.

هذه الكائنات الممتعة تعامل الناس بحب أمومي، تشعر أن سعادة الكون -كل الكون- مسؤوليتها الخاصة. حين يشكو شخصٌ ما لهم؛ تعلن كل خلاياهم حالة طوارئ استثنائية للمواساة وتحمل الحل كاملًا أو جزء منه. ومع الوقت سيصبحون محاصرين بالتزامات كثيرة تفوق طاقتهم. وقد قرأت قريبًا خاطرة لشخص يرى نفسه مصابًا بهذه المتلازمة؛ وكيف أنه تمادى به الحال إلى الارتباط بخطبة مؤقتة لفتاة لا يريدها؛ فقط لأنه شعر أن هشاشة روحها مسؤوليته، فكانت أحاديثه أشبه بالفعاليات الترفيهية لها. ولم يستمرا معًا.

أعلم يقينًا أن أكثر ما يحرك هذا الصنف من الناس خوفهم من تخييب آمال الآخرين، ومع ذا فقد تأتيه تعابير الخيبة بشكل آخر؛ ربما يقصر على نفسه بالأساسيات ليسعد زوجته وأطفاله بقشور الترفيه، يرى نفسه مضحيًا وتراه قرينته مهملًا لهندامه وأناقته. وربما يبالغ في تحمل وعود لا يطيقها؛ يرى هذا نبلًا منه ويراه رفاقه شخصًا مشتتًا لا يفي بالوعود ولا يحترم الكلمة. وربما يبالغ آخر في مراعاة خواطر رفاقه؛ يرى صنيعه حسَنًا ويرونه مخلوقًا دبقًا معدوم الإحساس بالفكاهة. وربما هي أخت رائعة تحمل على عاتقها حل مشكلات إخوانها التي لا تنتهي؛ ترى انفلات أعصابها العارض أمرًا مفهومًا ويرونها نزقة سيئة الخلق، وهكذا لم يسلموا من النقد وتخييب الآمال.

لا أحد يكره أن يكون لطيفًا، لكن الشريعة أتت بمحددات للتعامل، ففي مقام يكون سيد المحددات الاستطاعة، وآخر يكون العرف، وثالث يُحد بالإحسان، ورابع بالحقوق والواجبات، وهذا باب شريف من فقه الشريعة يسر الله بسطه في موضع آخر.


الإنسان الممتع | بقلم الشيخ بدر الثوعي الإنسان الممتع | بقلم الشيخ بدر الثوعي بواسطة #يقظــة_فكــر في أغسطس 01, 2024 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

صور المظاهر بواسطة sbayram. يتم التشغيل بواسطة Blogger.